بقلم: د. سعاد الواثق
اختصاصي علم النفس التنمية البشرية
مقدمة: حرب على الجسد والروح
“فقدنا الإحساس بالأمان، الموت يحوم حولنا باستمرار”. بهذه الكلمات البسيطة والمروعة لخصت إحدى السيدات السودانيات في الخرطوم حالة أمة بكاملها. بعد مرور ما يزيد على ألف يوم من الصراع، أصبحض السودان مسرحًا لأحد أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم. بينما تركز التقارير الإخبارية غالبًا على الخسائر المادية والأعداد المرعبة للنازحين والقتلى، تبقى المعركة الأكثر استمرارية وصمتًا هي تلك التي تدور في عقول وقلوب الملايين من السودانيين: معركة الصحة النفسية في مواجهة صدمات الحرب.
هذا المقال، من وجهة نظر خبير في علم النفس وكاتب، يحاول تشريح هذه الإصابات غير المرئية، وفهم آثارها، واقتراح مسارات للعلاج والتعافي لمجتمع يحاول النهوض من تحت الركام.
الفصل الأول: تشخيص الجرح النفسي – ماذا فعلت الحرب بالنفس السودانية؟
لم تكن الحرب مجرد صراع مسلح عابر، بل كانت تجربة وجودية مزقت النسيج اليومي للحياة. لقد أفاق السودانيون في صباح رمضاني على أصوات الأسلحة ورائحة الموت والدماء والجثث المتراكمة. تحولت البيوت الآمنة إلى ساحات رعب، وتبخرت معالم الحياة المعتادة من عمل ودراسة واستقرار.
الاضطرابات النفسية السائدة: أرقام وصور
تشير البيانات والتقارير الميدانية إلى انتشار وبائي لحالات نفسية خطيرة:
· اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD): تُشكل حالات اضطراب ما بعد الصدمة ما يقارب 20% من الحالات الواردة إلى الأقسام النفسية في بعض المناطق، بزيادة تصل إلى 3-4 أضعاف عما كانت عليه قبل الحرب. الأعراض تشمل ذكريات متطفلة ومؤلمة لا إرادية عن الأحداث، وكوابيس متكررة، وتجنب كل ما يذكر بالصدمة، وفرط اليقظة الدائمة.
· الاكتئاب الحاد: سُجلت زيادة بنسبة 100% في حالات الاكتئاب المشخصة، حيث مثلت 25% من إجمالي الحالات في عيادات الصحة النفسية. يتميز هذا الاكتئاب بشعور عميق بالحزن واليأس وفقدان الرغبة في الحياة، وهو رد طبيعي على فقدان الأحبة والمنازل ومصادر الرزق والإحساس بالمستقبل المجهول.
· اضطرابات القلق ونوبات الهلع: ارتفعت نسبتها من حوالي 5% إلى 20%. يتعرض الأفراد لنوبات مفاجئة من الخوف الشديد والتوتر المصحوبة بأعراض جسدية كسرعة ضربات القلب وضيق التنفس، خاصة مع سماع أي صوت عالٍ يشبه دوي الانفجارات.
· السلوك الانتحاري: كشفت التقارير عن وجود حالات انتحار فعلية، خاصة بين النساء اللواتي تعرضن للعنف الجنسي، حيث وُثقت ما لا يقل عن 10 حالات في ولايات معينة. بشكل عام، تتراوح نسبة من يعانون من أفكار أو محاولات انتحارية حول 15% من الحالات النفسية المسجلة.
· إدمان المخدرات: كآلية هروب من الواقع المؤلم، ارتفع تعاطي المواد المخدرة، خاصة بين الشباب النازحين في مراكز الإيواء، بنسبة قد تصل إلى أكثر من 50% في بعض الفئات.
فئات في بؤرة المعاناة
تتفاوت حدة التأثر، لكن بعض الفئات تتحمل العبء الأكبر:
· النازحون واللاجئون: أكثر من 15 مليون سوداني نزحوا داخليًا أو لجأوا خارج البلاد. يعاني ما يقدر بـ 50% من النازحين من صدمات نفسية متفاوتة. فقدان المنزل والوطن والذاكرة الجماعية يخلق شعورًا عميقًا بالاغتراب والضياع.
· النساء والفتيات: تعرضت النساء لانتهاكات مروعة، حيث وُثقت حالات اغتصاب جماعي واستخدام العنف الجنسي كسلاح حرب. أدت هذه الصدمات إلى عزلة اجتماعية عميقة، واكتئاب، وحالات انتحار.
· الأطفال: تظهر الآثار عليهم من خلال أعراض جسدية ونفسية واضحة مثل التبول اللاإرادي، التلعثم (التأتأة)، الفزع الليلي، الكوابيس، والنشاط الزائد. هذه الأعراض هي لغة جسدهم للتعبير عن الرعب الذي لا يستطيعون وصفه بالكلمات.
· كبار السن: الفئة الأكثر ارتباطًا بالحياة المستقرة والأقل مرونة في التكيف. يعاني الكثيرون من حالة من الذهول والنسيان، وقد يهيمون في الطرقات غير قادرين على تذكر هوياتهم أو عناوينهم، مما زاد من أعداد كبار السن المشردين.
· الناجون من العنف المباشر: من شهدوا عمليات قتل أو تعذيب أو فقدوا أفراد أسرهم أمام أعينهم، يحملون أثقل الأعباء. قصة “نفيسة” التي جلست في عزلة تامة ترفض الكلام بعد مقتل جميع أفراد أسرتها في دارفور، هي نموذج صارخ على هذه المعاناة.
الفصل الثاني: مقاربات للعلاج – إعادة بناء الداخل
إن التعافي من صدمات بهذا الحجم لا يمكن أن يكون عشوائيًا أو فرديًا بحتًا. يحتاج إلى نموذج هرمي متعدد المستويات، يبدأ من الفرد ويمتد إلى المجتمع بأكمله.
المستوى الأول: التدخل الفردي والمهني
1. الدعم النفسي الإسعافي: هو الخطوة الأولى والأكثر إلحاحًا، ويركز على توفير الأمان الجسدي والنفسي، والاستماع بدون حكم، ومساعدة الشخص على تنظيم مشاعره القاسية في اللحظة الراهنة.
2. العلاج النفسي المتخصص: للأعراض المستمرة والمتفاقمة. يشمل:
· العلاج السلوكي المعرفي: لمساعدة المرضى على فهم وتعديل الأفكار والمشاعر السلبية المرتبطة بالصدمة.
· علاج إزالة الحساسية وإعادة المعالجة بحركة العينين (EMDR): أسلوب فعال جدًا في علاج اضطراب ما بعد الصدمة، يساعد الدماغ على معالجة الذكريات المؤلمة.
· العلاج الدوائي: تحت إشراف طبيب نفسي، يمكن أن تساعد مضادات الاكتئاب ومضادات القلق في تخفيف حدة الأعراض لتمكين الشخص من المشاركة في العلاج النفسي.
3. بناء المرونة النفسية: عبر تدريب الأفراد على مهارات التأقلم، مثل تمارين التنفس والاسترخاء لإدارة نوبات القلق، وتقنيات التأسيس في الواقع (Grounding Techniques) للتعامل مع الذكريات المتطفلة.
المستوى الثاني: الدعم المجتمعي والشبكات الاجتماعية
هنا تكمن قوة الشعب السوداني. لقد شهدت الحرب ولادة شبكات تضامن اجتماعي مذهلة تكونت على عجل وأصابت طوق نجاة لملايين المحاصرين.
· المطابخ العامة (التكايا): مثلت مصدرًا للحصول على وجبة غذاء، ورمزًا للترابط والتكافل في ظل انهيار الدولة.
· مبادرات “حامل الأخبار”: في المناطق المحرومة من الاتصالات، تطوع أفراد لنقل رسائل المحاصرين إلى ذويهم في الخارج، مستعيدين دور “الرسول” القديم بمهارة حديثة.
· دور العبادة والنوادي الاجتماعية: يمكن تحويل هذه الأماكن إلى مراكز آمنة لتقديم جلسات الدعم النفسي الجماعي، حيث يشعر الناجون بأنهم ليسوا وحدهم، ويمكنهم مشاركة تجاربهم في بيئة داعمة.
· التوعية النفسية المجتمعية: يجب تكثيف الحملات لتوعية المجتمع بأن الأعراض النفسية ليست ضعفًا أو “جنونًا”، بل هي استجابات طبيعية لأحداث غير طبيعية. هذا يقلل من الوصمة ويسهل طلب المساعدة.
المستوى الثالث: إعادة بناء النظام الصحي وخلق سياسات داعمة
· إعادة تأهيل البنية التحتية للصحة النفسية: تعرض مستشفى التيجاني الماحي (مستشفى المجانين) – الصرح الرئيسي للصحة النفسية في السودان – للتدمير والإخلاء القسري لمرضاه. إعادة بناء هذه المراكز وتجهيزها أولوية قصوى.
· تدريب كوادر محلية: هناك حاجة ماسة لبرامج مكثفة لتدريب الأطباء والممرضين والأخصائيين الاجتماعيين على تقنيات التدخل في الأزمات والعلاج النفسي للصدمات.
· إدراج الدعم النفسي في كل البرامج الإنسانية: لا يمكن فصل الغذاء والدواء عن الدعم النفسي. يجب أن يكون تقديم الدعم النفسي والاجتماعي جزءًا أساسيًا من أي مساعدة تقدم للمتضررين، في المخيمات والمجتمعات المضيفة.
الفصل الثالث: توصيات للمستقبل – نحو تعافٍ مستدام
إن معالجة الآثار النفسية للحرب ليست ترفًا، بل هي شرط أساسي لأي سلام أو إعادة إعمار حقيقية. لذلك أقدم هذه التوصيات:
1. وقف الحرب هو العلاج الأساسي: لا يمكن الحديث عن تعافي نفسي جذري في ظل استمرار القتل والتهديد. يجب أن يكون الضغط الإقليمي والدولي الجاد لوقف إطلاق النار والدخول في عملية سياسية حقيقية على رأس الأولويات.
2. العدالة الانتقالية كمسكن للجرح الجماعي: يحتاج السودان إلى آلية واضحة للعدالة والمحاسبة لجرائم الحرب والانتهاكات. الاعتراف بالمعاناة وإنصاف الضحايا هو عملية علاجية للمجتمع بأسره، تمنع تغذية مشاعر الغضب والانتقام التي تورث الصدمات للأجيال القادمة.
3. استثمار دولي في الصحة النفسية: يجب على المانحين والمنظمات الدولية تخصيص جزء كبير من حزم المساعدات لإعادة بناء وتدعيم نظام الصحة النفسية في السودان، وتمويل برامج التدخل الطويلة الأمد.
4. تمكين المبادرات المجتمعية: دعم وتنظيم الشبكات التطوعية التي نشأت خلال الحرب (مثل التكايا) وتحويلها إلى مؤسسات مجتمعية راسخة يمكنها الاستمرار في تقديم الدعم النفسي والاجتماعي.
5. حماية الفئات الأكثر ضعفًا: وضع برامج خاصة تستهدف الأطفال والنساء الناجيات من العنف الجنسي وكبار السن، تضمن لهم رعاية متخصصة وآمنة.
6. إصلاح النسيج الاجتماعي: الحرب مزقت أواصر الثقة بين مكونات المجتمع. يجب تشجيع برامج الحوار المجتمعي والمشاريع المشتركة التي تعيد بناء الجسور وتعزز الهوية الوطنية الجامعة.
خاتمة: الذاكرة بين النسيان والندب
ستنتهي الحرب ذات يوم، كما انتهت كل الحروب. لكن الذكريات ستستمر. السؤال ليس كيف ننسى، بل كيف نعيش مع هذه الذكريات دون أن تدمرنا. الجروح النفسية أشبه بالندوب: تبقى كشاهد على الألم، ولكنها مع العناية الصحيحة والزمن الكافي، تتحول من جرح نازف إلى علامة تذكرنا بقدرتنا على الصمود.
ما يقوم به السودانيون اليوم من مقاومة للجوع والخوف، ومن إبداع في تشكيل شبكات التضامن، هو أقوى دليل على وجود بذور التعافي داخله. المطلوب الآن هو الاعتراف الرسمي والمجتمعي بهذه المعاناة النفسية، واتخاذ خطوات جريئة لمعالجتها. لأن إعادة بناء المنازل والمصانع أسهل بكثير من إعادة بناء الإنسان، وإهمال الأخيرة يعني أننا نعيد البناء على أساس من الرمال. مستقبل السودان يبدأ من عقل وقلب كل مواطن شردته الحرب، وسيعتمد على مدى قدرتنا الجماعية على مد يد العون للجراح التي لا يراها أحد.