ود كرجة… الرجل الذي لم تغيّبه الأرض
كرامة إنسانية تهز الوجدان وتفتح أسئلة الإيمان
✍️ بقلم: الدكتور محمد بشير محمد مصطفى (ود القبائل)
في زمنٍ تَكاثرت فيه صور الموت، واعتادت العيون مشاهد الفقد، تأتي بعض الوقائع لتكسر الاعتياد، وتعيد للروح دهشتها الأولى، وتفرض على القلب أن يقف طويلاً أمام معنى الحياة… ومعنى الطيبين الذين يمرّون بيننا في صمت، ثم يرحلون تاركين خلفهم أثراً لا يُمحى.
هذه ليست قصة عادية، ولا حكاية تُروى للتسلية، بل واقعة إنسانية موثّقة، شهدها أهل الأرض، وتوقّف عندها أهل السماء… واقعة بطلها رجل بسيط، عاش بسيطاً، ورحل بهدوء، لكن الله شاء أن يجعل رحيله رسالة.
إنه الخال العوض محمد
🌿 عامٌ مضى… والذاكرة لا تنسى
قبل عامٍ كامل، وفي أيامٍ كانت البلاد فيها تئنّ تحت وطأة الحرب، وكانت الطرق مقفلة، والقلوب مفتوحة على الخوف، رحل العوض محمد الإمام في منطقة الجديد عمران، في أيام شهر رمضان المبارك.
العوض، ابن قرية عَجَّان مولداً ونشأة، زوج بتول بنت جدّنا الخضر، وأحد أولئك الرجال الذين لا تُعرف قيمتهم في الضجيج، بل في الصمت، ولا يُقاس حضورهم بالكلام، بل بالفعل والسيرة.
كان كعادته، بسيط المعيشة، قريباً من الناس، يتناول إفطاره في محيط منزله، لا يُثقل على أحد، ولا يُثقل أحداً عليه.
غاب يومين عن عادته… لم يحضر الإفطار… فانتبه الأهل، وبدأ القلق، وانطلق البحث.
وحين وُجد، كان قد فارق الحياة بهدوء يشبه أخلاقه، وسكينة تليق بسيرته.
⚔️ حربٌ تحاصر حتى الموت
في ذلك الوقت، لم تكن الظروف طبيعية.
الحرب كانت قد أغلقت الطرق، وقطعت الأوصال، وفرضت حصارها القاسي على الناس والأماكن.
ولاية الجزيرة والخرطوم كانتا مسرحاً للاشتباكات، والجديد عمران بحكم موقعها الجغرافي أصبحت على مقربة من الخطر.
لم يكن ممكناً نقل الجثمان إلى المقابر الرئيسية.
لم يكن خياراً، بل اضطراراً.
وفي لحظة قاسية على القلوب، وموجعة على النفوس، تم دفنه داخل منزله…
قرار لم يكن سهلاً، لكنه كان الوحيد الممكن في زمنٍ لم يكن يرحم أحداً.
🕊️ عامٌ آخر… والمشهد يتكرّر كأنه أمس
مرّ عام كامل…
هدأت الأوضاع نسبياً، وبدأت الحياة تستعيد أنفاسها.
تحرّك أهل العوض وأبناؤه وعشيرته لنقل الجثمان إلى المقابر العامة، كما جرت العادة، وكما تقتضي الكرامة الإنسانية.
ذهبوا إلى المكان بمزيجٍ معقّد من المشاعر:
خوفٌ من المجهول…
وشوقٌ للوداع الأخير…
وهيبةٌ لا تُوصف.
لكن ما حدث هناك، لم يكن في الحسبان.
✨ لحظة تهزّ القلوب
حين فُتح القبر…
توقّف الزمن.
وجدوا العوض محمد الإمام كما لو أنه تُوفي اليوم.
ملامحه كما هي…
جسده لم يتغيّر…
لم تَنَل منه الأرض…
ولم تمسّه الأيام.
وقف الجميع في صمتٍ ثقيل، لا يُقطعه إلا الذهول.
دموعٌ تنزل بلا صوت، وقلوبٌ تخفق بأسئلة أكبر من الكلام.
كأن الأرض ردّته لأهله.
كأن الله حفظه ليكون شاهداً.
كأن سيرته الطيبة قالت كلمتها الأخيرة.
🌟 ليست خيالاً… بل كرامة
ما حدث ليس أسطورة شعبية، ولا حكاية تُنسج للمواساة.
إنها كرامة، بمفهومها الإيماني والإنساني، كما يعرفها أهل القلوب الحية.
فالكرامة لا تُمنح لكل أحد،
ولا تكون إلا لمن عاش نظيف القلب، أبيض السريرة، خفيفاً على الناس، ثقيلاً في ميزان الله.
العوض ود كرجة لم يكن صاحب ضجيج،
ولا طالب أضواء،
لكنه كان صاحب سيرة طيبة…
ومن عاش كذلك، لا يضيّعه الله.
🌾 أهل عَجَّان… الطيب أصلٌ لا يُنسى
هذا الحدث، وإن بدا خارقاً، إلا أنه ليس غريباً على أهل عَجَّان.
تلك القرية التي أنجبت رجالاً يعرفون الله في الشدّة قبل الرخاء،
وتربّوا على الصدق، ونقاء القلوب، وكرم النفس.
أهل عجان معدنٌ لا يصدأ،
إذا عاشوا عاشوا بسلام،
وإذا رحلوا، تركوا خلفهم أثراً ودعاءً وسيرة.
ومن هذا المنطلق، كان لا بد من مخاطبة الأهل في الجديد الثورة والجديد عمران، ومشاركتهم هذه اللحظة الإنسانية الجليلة، التي هزّت الوجدان قبل أن تُدهش العيون.
🤝 تحية مستحقة
ولا يفوتنا في هذا المقام أن نوجّه التحية والتقدير
للعم سليمان البشري،
الذي تابع تفاصيل الواقعة، ووقف عليها بنفسه،
ونقل الخبر بأمانة، وتعامل مع الحدث بحكمة وثبات، بعيداً عن التهويل أو الاستعراض.
🤲 دعاء الختام
اللهم ارحم الخال العوض محمد الإمام (ود كرجة)،
واجعل قبره روضةً من رياض الجنة،
واجعل ما رأيناه له نوراً ورفعةً وشهادة خير،
واربط على قلوب أبنائه وأهله ومحبيه،
اللهم اجعله في عليين مع الصديقين والشهداء والصالحين،
وحسن أولئك رفيقاً..