تمثل محاولات إعادة إحياء الصحافة الورقية في السودان، في مرحلة ما بعد النزاع، واحدة من أكثر القضايا الإعلامية تعقيدًا وإلحاحًا. فهذه العودة لا تُعَد مجرد استئناف لنشاط إعلامي تقليدي، بل هي رمزية عميقة لاستعادة الحياة المدنية وتمهيد الطريق لعودة مؤسسات الدولة في العاصمة الخرطوم. تتعامل هذه الظاهرة مع إشكالية مزدوجة: أزمة وجودية للصحافة نفسها بسبب الدمار الشامل، والتحوُّل العالمي نحو الفضاء الرقمي. وفي هذا السياق، يبرز نموذج استئناف صحيفة “الدار” وغيرها من الصحف عبر بوابات رقمية، كاستجابة مبتكرة تُحوِّل التحدي إلى فرصة، وتفتح الباب أمام صحافة هجينة (ورقية-رقمية) قادرة على استعادة دورها التنويري في مواجهة فوضى وسائل التواصل الاجتماعي.
—
السياق السوداني الخاص: العودة الورقية كضرورة وطنية ورمزية سياسية
يشهد السودان وضعًا استثنائيًا يجعل من عودة الصحافة الورقية قضية تختلف جوهريًا عن النقاش العالمي حول تراجع المطبوع.
· الرمزية السياسية وإعادة بناء الدولة: قبل الحرب، كانت الخرطوم تشهد إصدار ما لا يقل عن 18 صحيفة يوميًا. كان هذا التنوع علامة على حيوية الحياة العامة. اليوم، وبعد الدمار الذي لحق بالبنية التحتية للصحافة، لم يعد الحديث عن العودة مجرد خيار مهني، بل أصبح مشروعًا وطنيًا. كما يشير التحليل الإعلامي، فإن الصحافة الورقية ليست فقط وسيلة إخبارية، بل هي “أحد أوجه بعث” الدولة وإحدى علامات وجودها، وتساهم في تثبيت الاستقرار وإعادة الطمأنينة للمواطن بأن مؤسسات الوطن قابلة للبعث. التجربة التاريخية، كما في لبنان بعد الحرب الأهلية، تُظهر كيف شكَّلت عودة الصحف الورقية رمزًا قويًا لاستعادة المجال العام.
· التحديات المادية الهائلة: يواجه القطاع تحديات جسيمة تعيق أي عودة تقليدية:
· دمار البنية التحتية: تم تدمير مقار المؤسسات الصحفية ونهب معداتها، حيث بلغت نسبة الدمار والنهب لبعضها 90%. حتى المعدات الحديثة التي استُوردت قبل الحرب بأسابيع لم تسلم من السرقة.
· انهيار النموذج الاقتصادي: توقفت الطباعة، وغابت الإعلانات، وتبخرت الاشتراكات. كما أن غياب البنية التحتية للدفع الرقمي وثقافة الاشتراك المدفوع تجعل التحول الرقمي الكامل غير واقعي في الوقت الراهن.
· الأزمة الإنسانية للصحفيين: توقف ما يقرب من 90% من الصحفيين عن العمل، واضطر كثيرون إلى مزاولة أعمال هامشية للعيش، بينما يتقاضى نحو 5% فقط رواتبهم بانتظام.
النموذج الرقمي كحل مرحلي: حالة صحيفة “الدار” والتعاون مع “وين وين”
في مواجهة هذه التحديات، يظهر الحل عبر المنصات الرقمية كمرحلة وسيطة ضرورية لإبقاء شعلة الصحافة متقدة والاتصال بالجمهور، ريثما تتم إعادة تأهيل قدرات الطباعة الورقية. هنا تكتسب مبادرة صحيفة “الدار مع شركة win win” أهمية خاصة، حيث تسعى للعودة من خلال موقع إلكتروني، مستفيدة من شراكة مع شركة متخصصة مثل “وين وين”.
إن هذا النموذج الهجين يحقق عدة أهداف فورية:
1. الحفاظ على الهوية والوجود: يسمح للصحيفة بالحفاظ على هويتها المؤسسية وعلامتها التجارية وعلاقتها مع جمهورها، حتى في غياب النسخة المطبوعة.
2. اختبار السوق والجمهور: يوفر المنصة الرقمية وسيلة لقياس مدى استعداد الجمهور للعودة، وفهم اهتماماته الجديدة في مرحلة ما بعد الصراع.
3. بناء قاعدة مالية أولية: يمكن من خلاله استكشاف نماذج إعلانية رقمية محسوبة وجديدة، تمهيدًا لاستعادة تدفقات الإعلانات الورقية التقليدية لاحقًا.
دور الشراكات الرقمية مع ( Win Win):
يمكن لشراكة استراتيجية مع شركة وين وين المتخصصة في الإعلام الرقمي أن تمنح الصحيفة الورقية التقليدية عدة مزايا حاسمة:
· الخبرة التقنية: المساعدة في بناء منصة رقمية مستقرة وآمنة وسهلة الاستخدام، تتلاءم مع واقع الاتصال في السودان.
· التسويق والوصول للجمهور: استخدام أدوات التحليل الرقمي لفهم سلوك القارئ وتقديم المحتوى المناسب له، وضمان وصول أوسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي والبحث.
· استكشاف نماذج الإيرادات: المساعدة في تطوير نماذج مبتكرة للإيرادات قد تشمل الإعلان المستهدف، أو المحتوى الممول، أو الاشتراكات الرقمية المبسطة، وهو ما يفتقده المشهد السوداني حاليًا.
التأثير الاستراتيجي: استعادة المصداقية وإبعاد “التسيُّد” الإعلامي على السوشيال ميديا
يأتي أحد أهم مبررات هذا النموذج الهجين في قدرته على معالجة خلل خطير في المشهد الإعلامي السوداني الحالي: سيطرة الناشطين والأصوات الفردية على الخطاب العام عبر منصات التواصل الاجتماعي. لقد أدى فراغ المؤسسات الإعلامية التقليدية إلى:
· انتشار الشائعات والمعلومات غير الموثقة في ظل غياب جهة رقابية أو تحريرية مهنية.
· تسييس الخطاب وتغذيته بالانفعال على حساب التحليل المتزن والعمق.
· تفتيت الجمهور في فقاعات (غرف الصدى) تعزز الآراء القائمة ولا تعرضها على التنوع والفحص النقدي.
تمتلك الصحافة الورقية العائدة عبر بوابة رقمية، وبدعم من شريك تقني قوي، الأدوات لمواجهة هذا الخلل:
· استعادة سلطة المصداقية: من خلال الالتزام بأخلاقيات المهنة والتحقق من الخبر وذكر المصادر، وهو ما تفتقده معظم المضامين على السوشيال ميديا.
· إعادة الاعتبار للسياق والتحليل: تقديم الخبر ضمن سياقه التاريخي والاجتماعي، وتحليله بعمق، مما يساهم في تشكيل وعي جماعي أكثر استقرارًا.
· توحيد المرجعية الإعلامية: توفير منصة موثوقة يتجه إليها الجمهور بحثًا عن الحقيقة وسط الضجيج الرقمي، مما يساهم في إعادة بناء نسيج عام مشترك للمجتمع السوداني.
الخاتمة والتوصيات
إن عودة الصحافة الورقية في السودان عبر بوابة رقمية ليست خطوة إلى الوراء، بل هي قفزة إلى الأمام نحو مستقبل إعلامي أكثر مرونة واستقرارًا. إنها اعتراف بالرمزية السياسية والاجتماعية للصحافة المطبوعة، مع تبني واقع التكنولوجيا كجسر للعبور نحو مرحلة جديدة. يتطلب نجاح هذا النموذج:
· دعمًا مؤسسيًا حقيقيًا من المجلس القومي للصحافة والمطبوعات عبر تسهيل الإجراءات وتشجيع الشراكات.
· استقلالية تامة للصحف عن أي جهة تمويل حكومية أو سياسية لضمان حياديتها ومصداقيتها.
· استثمارًا في تطوير المهارات الرقمية للصحفيين السودانيين ليكونوا قادرين على التعامل مع أدوات العصر.
· رؤية شجاعة من الناشرين للمبادرة باعتبار ذلك مسؤولية وطنية وتاريخية، حيث أن من يسبق في هذه الخطوة “سيكون قد خطّ سطرًا جديدًا في سجل تاريخه المهني والتاريخ الوطني”.
بهذا المزيج من التقدير للتراث المهني والانفتاح على آفاق الرقمية، يمكن للصحافة السودانية أن تخرج من أزمتها أقوى، وتساهم ليس فقط في نقل الأخبار، بل في صناعة السلام وترميم المجتمع وإعادة الاعتبار للحقيقة في الفضاء العام.